قصة نجاح ترويها «مجلة العرب»
في عالم تتناغم فيه فخامة الأحجار الكريمة مع رقة الحرف، تتكشف أمامنا حكايات النساء اللواتي صرن علامة فارقة في الإصرار والشغف. «مجلة العرب» تأخذكم اليوم في رحلة استثنائية مع خبيرة الألماس والكاتبة المبدعة التي جمعت بين صلابة الجواهر النادرة وعمق الفكر الإنساني همسه بورسلان.
من قاعات الدراسة إلى عرش المجوهرات
بدأت الحكاية بأساس أكاديمي راسخ في إدارة الأعمال الدولية، لكن الشغف الحقيقي أبى إلا أن يذهب أبعد من القاعات الدراسية؛ فحصلت على اعتمادها الدولي كخبيرة ألماس من معهد GIA العالمي، وصقلت مهارتها ببرامج تدريبية رفيعة من مؤسسات كبرى مثل جامعة هارفارد ومدرسة لِيكول فان كليف آند آربلز.
ويعكس هذا المسار جانباً مهماً من تجربتها، إذ يجمع بين المعرفة الأكاديمية والتخصص الدقيق والخبرة العملية التي تتطور مع مرور السنوات. ففي عالم المجوهرات والأحجار الكريمة، لا تقتصر الخبرة على معرفة قيمة القطعة أو جمالها، بل تمتد إلى فهم التفاصيل التي تمنح كل حجر خصوصيته، وإلى القدرة على مواكبة تطورات الصناعة والتعامل مع متغيرات السوق واحتياجات العملاء. ومن هنا جاء التطور المهني كمسار طبيعي لشغف بدأ بالتعلم واستمر بالممارسة والخبرة.
وعلى مدار ١٨ عاماً من العمل الدؤوب والخبرة الميدانية، انطلقت من بلدتها العريقة رأس المتن في لبنان لتوجه بصمتها نحو كبرى دور المجوهرات العالمية مثل تيفاني آند كو ومعوض، لتشغل اليوم منصب مديرة مجوهرات لشركة بريطانية مرموقة في دبي. ولم يقتصر إبداعها على الشركات الكبرى، بل أسست سابقاً علامتها الخاصة للإكسسوارات اليدوية Whispered Accessories، مترجمةً ذوقها الفني بلمسة فريدة.
وتحمل هذه السنوات الطويلة من العمل الكثير من التجارب التي أسهمت في تشكيل رؤيتها الخاصة، سواء على المستوى المهني أو الشخصي. فالانتقال بين أدوار مختلفة داخل قطاع المجوهرات، إلى جانب خوض تجربة تأسيس علامة خاصة، يمنح صاحب التجربة فهماً أوسع لطبيعة هذا العالم ومتطلباته. كما أن الجمع بين العمل في مؤسسات كبيرة والعمل على مشروع يحمل بصمة شخصية يفتح المجال أمام اكتشاف جوانب متعددة من القدرات والطموحات، وهو ما جعل تجربتها لا تتوقف عند حدود الوظيفة التقليدية.
بين بيروت ودبي.. مسافات تُلهم الحروف
تتوزع تفاصيل حياتها بين نبض بيروت العريق ورحابة المستقبل والأمان في دبي؛ مدينتان منحتا روحها إيقاعاً خاصاً، فكان التفاعل بينهما مادة ثرية لخواطرها وأدبها. هذا المخزون الجميل يترجم قريباً إلى حقيقة مطبوعة مع إصدار كتابها الجديد في دولة الإمارات العربية المتحدة، «همسات من الألماس»، الذي يوثق حكاياتها وتأملاتها بين هاتين المحطتين.
وبين المدينتين، تبدو المسافة أكثر من مجرد انتقال جغرافي، فهي مساحة تجمع بين الذاكرة والتجربة والحاضر. بيروت بما تحمله من تفاصيل إنسانية وثقافية، ودبي بما تمثله من حركة وطموح وفرص، تشكلان معاً جزءاً من الحكاية التي تنقلها تجربتها. ومن هذا التداخل يمكن أن تتحول التفاصيل اليومية إلى مصدر للإلهام، وأن تصبح المواقف والتجارب المهنية والإنسانية مادة للكتابة والتأمل.
ويأتي الكتاب المنتظر ليمنح هذه التجربة مساحة جديدة، إذ تتيح الكتابة لصاحبتها أن تقدم جانباً مختلفاً من رحلتها، بعيداً عن الألقاب المهنية والمسؤوليات العملية. فالقصص التي تراكمت على امتداد السنوات يمكن أن تحمل في داخلها الكثير من الدروس حول الطموح والاستمرار واكتشاف الذات، كما يمكن أن تكون مساحة للتعبير عن المشاعر والأفكار التي ترافق الإنسان في مراحل مختلفة من حياته.
الألماس والكلمات: حلم كَبُر مع الزمن
لم يأتِ النجاح صدفة، بل كان وليد حلم طفولة آمنت به وسعت نحوه بثبات وعزم. وإلى جانب تفوقها الإداري والمهني، عُرفت بقلمها الدافئ ومقالاتها العميقة التي تنشرها بانتظام في مجلة «ليل نهار»، لترسم معادلة فريدة تؤكد أن المرأة القوية قادرة على الإمساك بزمام المجد في آنٍ واحد: تلمس بريق الألماس بحرفية، وتكتب نبض الروح بحروف من ذهب.
ويكشف هذا الجانب من شخصيتها عن مساحة أخرى من الإبداع، حيث تلتقي الخبرة المهنية مع القدرة على التعبير بالكلمة. فالنجاح في مجال متخصص لا يعني بالضرورة التخلي عن الاهتمامات الأخرى، بل يمكن للإنسان أن يمنح كل جانب من جوانب شخصيته مساحة للنمو والتطور. وربما كان هذا التنوع أحد العناصر التي جعلت تجربتها تحمل أكثر من وجه، بين عالم يحتاج إلى الدقة والمعرفة، وعالم آخر يمنح المشاعر والأفكار فرصة للظهور.
كما أن رحلة التعلم المستمر تظل عنصراً أساسياً في أي مسيرة طويلة، خصوصاً عندما يكون الطموح مرتبطاً بالرغبة في الوصول إلى مستويات جديدة من المعرفة والخبرة. ومع مرور الوقت، تصبح التجارب المتراكمة جزءاً من شخصية الإنسان، وتتحول النجاحات والتحديات معاً إلى مصدر لفهم أعمق للحياة والعمل والعلاقات الإنسانية.
صنعت همسه نجاحها بعصامية تامة، متوكلةً على الله ومؤمنةً بأن التوفيق رفيق كل ساعٍ مجتهد، وهي توجّه من خلاصة تجربتها رسالة صادقة لكل فتاة وامرأة:
«آمني بحلمك، استثمري بنفسك، تعلمي بلا كلل، ولا تختاري الطريق السهل مهما كانت الظروف؛ فأنتِ قادرة على تحقيق كل ما تتمنين بجهدك واعتمادك على نفسك وحدك، ولا تسمحي لأحد بأن يقف في وجه طموحاتك أو يرسم لك مسار حياتك.»
وتحمل هذه الرسالة بعداً يتجاوز تجربتها الشخصية، لأنها تضع التعلم والعمل والثقة بالنفس في قلب رحلة تحقيق الطموح. فالطريق المهني قد يحمل تحديات وتغيرات غير متوقعة، لكن امتلاك الرغبة في الاستمرار وتطوير القدرات يساعد على تحويل هذه التحديات إلى فرص للنمو. كما أن بناء المسار الخاص يحتاج إلى الصبر، وإلى الإيمان بأن الخطوات الصغيرة والمتراكمة يمكن أن تقود في النهاية إلى نتائج كبيرة.
وفي الوقت الذي تتغير فيه طبيعة المهن والفرص من حولنا، تزداد أهمية أن يحافظ الإنسان على فضوله ورغبته في التعلم، وأن يبحث دائماً عن طرق جديدة لتطوير نفسه. وتأتي تجربة همسه في هذا السياق كحكاية تجمع بين تخصص مهني واضح واهتمامات متعددة، لتؤكد أن الطموح يمكن أن يجد أكثر من طريق للتعبير عن نفسه.
ختاماً، تختصر همسه فلسفتها في الحياة بكلمات تليق برحلتها:"النجاح الحقيقي ليس مجرد منصب رفيع أو حجر كريم يزين العنق، بل هو القدرة على ترك أثر خالد في قلوب الناس، تماماً كما تبقى قيمة الألماس الطبيعي أبدية لا تفنى."