في عالمٍ أصبحت فيه الواجهات الفاخرة والتصاميم البصرية الجذابة معياراً لدى الكثيرين، يقدّم المهندس المعماري محمد الرويضي رؤية مختلفة تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: المنزل الناجح لا يُقاس بجمال واجهته، بل بقدرته على احتواء تفاصيل الحياة اليومية لمن يسكنه.
بعد خمسة عشر عاماً من الخبرة في التصميم المعماري والداخلي، يؤكد الرويضي أن أي مشروع ناجح يبدأ بفهم الإنسان قبل رسم المخططات، معتبراً أن توزيع الفراغات، ومسارات الحركة، والإضاءة الطبيعية، واحتياجات الأسرة اليومية هي الأساس الذي تُبنى عليه هوية المنزل الحقيقية.
أخطاء التصميم العربي
ويرى أن أحد أكثر الأخطاء انتشاراً في المنازل العربية اليوم يتمثل في المبالغة بالاهتمام بمساحات الاستقبال والمجالس التي لا تُستخدم إلا في مناسبات محدودة، مقابل إهمال مساحات المعيشة اليومية التي تقضي فيها العائلة معظم وقتها، إضافة إلى الإفراط في الزخارف وإهمال توظيف الإضاءة الطبيعية بشكل مدروس.
الإبداع لا يُشترى بالمال
وعن العلاقة بين التكلفة وجودة التصميم، يرفض الرويضي الربط بين الفخامة والميزانية المرتفعة، مؤكداً أن الإبداع هو العنصر الأهم في صناعة المساحات المميزة. فاختيار المواد المناسبة، واستثمارها بذكاء، والاعتماد على الخطوط المعمارية النظيفة، يمكن أن يمنح المكان قيمة جمالية عالية دون إنفاق مبالغ طائلة.
مشروع رسّخ المسيرة
ويتوقف الرويضي عند أحد أبرز المشاريع التي شكّلت نقطة تحول في مسيرته المهنية، وهو تصميم برج فندقي في مكة المكرمة داخل منطقة حيوية وتجارية حديثة في جدة، حيث فرض المشروع تحدياً معمارياً جمع بين البيئة والطراز الحديث، لينتج تجربة بصرية متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
الذكاء الاصطناعي: فرصة لا تهديد
وفي ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، يصف الرويضي هذه التقنيات بأنها فرصة كبيرة للمصممين، وليست تهديداً لهم، موضحاً أنها تساعد في تسريع توليد الأفكار والتصورات الأولية، بينما تبقى الرؤية الإبداعية والخبرة واللمسة الإنسانية عناصر لا يمكن لأي تقنية أن تحل محلها.
مستقبل التصميم العربي
أما عن مستقبل التصميم في العالم العربي، فيتوقع أن يشهد انتشاراً أكبر للطراز الحديث والمينيماليزم، مع التركيز على المساحات المفتوحة، والخطوط البسيطة، والإضاءة الطبيعية، واستخدام المواد المستدامة التي تعزز جودة الحياة داخل المنزل.
نصيحة لأول بناء
كما يوجه نصيحة لكل من يخطط لبناء منزله لأول مرة، داعياً إلى منح مرحلة التخطيط والتصميم الوقت الكافي، والاستعانة بمهندس محترف، لأن أي تعديل على المخططات قبل التنفيذ أقل تكلفة بكثير من التعديلات التي تتم أثناء البناء.
شغف المينيماليزم
وعندما سُئل عن المدرسة المعمارية الأقرب إلى هويته التصميمية، أكد الرويضي انحيازه التام لأسلوب «المينيماليزم» والطراز المعاصر، موضحاً أن الاكتفاء بالعناصر الأساسية والخطوط النظيفة ليس مجرد اتجاه جمالي، بل هو فلسفة لخلق مساحات تمنح ساكنيها الهدوء والصفاء الذهني. وأضاف أن هذا الأسلوب يجمع ببراعة بين الخصوصية العالية والانفتاح المدروس، ليعكس أسلوب حياة هادئ وأنيق يلبي تطلعات السكن الحديث.
تحدي إقناع العميل
وعند سؤاله عن التحدي العملي الأكبر في إقناع العملاء بالتخلي عن ثقافة المجالس الكبيرة والزخارف المبالغ فيها لصالح المساحات العملية، أوضح الرويضي أن دور المعماري يمتد ليشمل توجيه العميل ومحاورته. وأكد أنه يعتمد على إيضاح كيف يمكن للتوزيع الذكي للفراغات والتوظيف المدروس للإضاءة الطبيعية أن يخلق بيئة سكنية أكثر راحة، مشيراً إلى أن المجتمع اليوم أصبح أكثر وعياً وتقبلاً للتصاميم العصرية والعملية.
الاستدامة كواقع ملموس
وحول كيفية تحويل مفاهيم الاستدامة من مجرد نظريات إلى واقع ملموس في المنازل الحديثة، أكد الرويضي أن الاستدامة لا تعني بالضرورة تكاليف باهظة، بل تبدأ من التوظيف الذكي للمساحات، واختيار المواد المناسبة التي تعزز جودة الحياة. وأشار إلى أن الاعتماد على الخطوط المعمارية النظيفة والاستفادة القصوى من الإضاءة الطبيعية يسهمان في خلق بيئة سكنية صحية ومتوازنة تلبي متطلبات العصر.
الحلم الأكبر
ويختتم محمد الرويضي حديثه لـ«العرب» بالتأكيد أن حلمه لا يقتصر على تصميم مبانٍ جميلة، بل يتمثل في تقديم مشاريع معمارية ترتقي بجودة الحياة وتُحدث أثراً حقيقياً في مفهوم السكن الحديث، مع تطلعه خلال السنوات المقبلة إلى قيادة مشاريع نوعية كبرى من مدينة جدة، تسهم في رسم ملامح الهوية العمرانية المعاصرة.