اشترك الآن
مدونة العرب

د. هدية الحبشي لـ«العرب»: حين تتحول الفجوة اللغوية إلى مشروع يُعيد بناء ثقة الطبيب العربي

تروي د. هدية الحبشي لـ«العرب» تجربتها في تجاوز تحديات اللغة الطبية والمراجع الإنجليزية، وكيف تحولت تجربتها الشخصية إلى مشروع تعليمي يساعد الأطباء العرب على فهم المصطلحات والاستعداد للاختبارات المهنية بثقة أكبر.

بقلم فريق التحرير
· · 186 مشاهدة
د. هدية الحبشي لـ«العرب»: حين تتحول الفجوة اللغوية إلى مشروع يُعيد بناء ثقة الطبيب العربي

 في عالم الطب، لا تكون الصعوبة دائماً في فهم المعلومة العلمية نفسها، بل قد تبدأ أحياناً من اللغة التي تُقدَّم بها. وبين الدراسة الجامعية باللغة العربية والمراجع والاختبارات المهنية باللغة الإنجليزية، يجد كثير من الأطباء العرب أنفسهم أمام فجوة حقيقية تحتاج إلى وقت وجهد حتى يتمكنوا من تجاوزها. هذه الفجوة تحديداً كانت نقطة الانطلاق في تجربة الدكتورة هدية الحبشي.

طبيبة أسنان خريجة جامعة دمشق عام 2018، حاصلة على اجتياز اختبار الترخيص المهني السعودي (البرومترك) وشهادة بورد بريطاني في الترجمة الطبية. لكن ما يميز مسيرتها ليس فقط ما حصلت عليه، بل ما قررت فعله بعد أن تجاوزت التحدي الذي واجهته — وكان بإمكانها التوقف عنده، لكنها اختارت أن تُحوّله إلى مشروع يُعيد بناء ثقة الطبيب العربي أمام الاختبارات المهنية الدولية.

من تجربة شخصية إلى فكرة تعليمية

بدأت القصة بعد التخرج مباشرة، حين انتقلت الحبشي من بيئة دراسية تعتمد اللغة العربية إلى مرحلة أصبحت فيها المراجع والمناهج والاختبارات المهنية باللغة الإنجليزية. ورغم امتلاكها للمعرفة الطبية، شكّل اختلاف اللغة والمصطلحات تحدياً جديداً عليها، خصوصاً خلال استعدادها لاختبار البرومترك والترخيص المهني للعمل في الخليج.

وبعد أن تمكنت من تجاوز هذا التحدي والنجاح في الاختبار من المحاولة الأولى، لم تتوقف عند الإنجاز الشخصي. بل بدأت تفكر في الأطباء الآخرين الذين يخوضون التجربة ذاتها دون أن يجدوا من يختصر عليهم الطريق — فكانت فكرة المشروع.

المصطلحات الطبية… أكثر من مجرد ترجمة

أطلقت الحبشي سلسلة من الملفات التعليمية المنظمة بحسب المواد الأساسية في طب الأسنان العام، لتساعد الأطباء على فهم المصطلحات الطبية الإنجليزية وربطها بالسياق العلمي والسريري، والاستعداد للاختبارات المهنية. وهي بذلك لا تستهدف الأخصائي بل طبيب الأسنان العام — أو أي طبيب يرغب في تطوير لغته الطبية والقدرة على قراءة المراجع العالمية باطمئنان. والهدف الأساسي كان أن يتعلم الطبيب كيف يستخدم هذه المصطلحات فعلياً أثناء قراءة المنهج والمراجع، وكيف يتعرف عليها ضمن سياق السؤال أو الحالة الطبية — بدلاً من أن تبقى مجرد قائمة كلمات منفصلة لا رابط بينها.

ولهذا تترافق هذه الملفات مع مراجع طبية وأسئلة دورية ومتابعة شخصية، بحيث ينتقل المتدرب تدريجياً من التعرف على المصطلح إلى فهمه ثم توظيفه داخل السياق العلمي الحقيقي.

مشكلة أخرى: التشتت بين المصادر

ومع متابعة الأطباء خلال فترة التحضير، لاحظت الحبشي تحدياً آخر لا يقل خطورة عن اللغة: التشتت الكبير بين المصادر والمراجع. الطبيب المقبل على البرومترك قد يجد نفسه أمام عشرات الملفات والكتب والأسئلة، دون أن يعرف من أين يبدأ أو أي المعلومات يجب أن يعطيها الأولوية.

هذه المشكلة دفعتها إلى تطوير مرحلة جديدة من مشروعها: إعداد مرجع متكامل لكل مادة على حدة. بدلاً من تنقل الطبيب بين مصادر متعددة، تعمل الحبشي على جمع المحتوى الجوهري لكل مادة في ملف واحد منظم، بعد مراجعة المعلومات وتصحيح بعض الأخطاء الموجودة في المصادر المتداولة وإضافة ما يحتاجه الطبيب فعلاً في مرحلة الاستعداد.

 مرجع يجمع المعلومة والتطبيق

لا تقتصر هذه الملفات على المحتوى النظري، بل تشمل الصور الشعاعية، والحسابات والمسائل الطبية، والمعلومات التطبيقية المرتبطة بكل مادة. ويُختتم كل محتوى باختبار تجريبي من 50 سؤالاً صُمم ليكون قريباً من طبيعة الاختبارات الحقيقية. وقد بدأت الحبشي بالفعل بإطلاق الإصدار الأول من هذه السلسلة، وهو منهج متكامل في مادة ENDODONTICS لطبيب الأسنان العام، فيما يجري العمل على بقية المواد لتصدر بشكل تدريجي.

أما من حيث الشكل والمنصة، فقد اختارت أن يكون المحتوى مسجلاً ومتاحاً عبر تيليغرام، انطلاقاً من فهمها لطبيعة حياة الأطباء وضيق وقتهم، بحيث يتمكن كل منهم من الدراسة وفق الوقت المناسب له، مع إمكانية الرجوع إلى المحتوى باستمرار.

 Decoding Medical English… فك الحاجز

ويمتد اهتمام الحبشي باللغة الطبية إلى محتوى أوسع يظهر تحت عنوان «Decoding Medical English» — وهو العنوان الذي حملته محاضرتها ضمن المؤتمر السنوي الثالث عشر لأيام طب الأسنان العلمية (DOSD13)، حيث تناولت الانتقال من مجرد فهم المصطلحات الطبية إلى القدرة على قراءة المراجع والأبحاث العلمية وتحليل الأسئلة الطبية بفاعلية أكبر. هنا تتحول اللغة من عائق أمام الطبيب إلى أداة تمكّنه من الوصول إلى المصادر الطبية العالمية ومتابعة أحدث الأبحاث والتحديثات في تخصصه.

وتحاول الحبشي من خلال هذا المحتوى الربط العضوي بين الجانب اللغوي والجانب الطبي، بحيث يصبح تعلم المصطلح مرتبطاً باستخدامه الفعلي داخل السياق العلمي، لا مجرد كلمة تُحفظ ثم تُنسى.

تجربة ولدت من حاجة حقيقية

ما يميز تجربة الدكتورة هدية الحبشي أن المشروع لم يبدأ كفكرة تجارية منفصلة عن الواقع، بل انطلق من مشكلة واجهتها هي شخصياً في بداية رحلتها. ومع الوقت، تحوّلت التجربة الفردية إلى محتوى يستهدف مساعدة آخرين على اختصار الطريق الذي مرّت به، وتجنب حالة الضياع بين اللغة والمراجع وكثرة المصادر.

وبين المصطلحات الطبية والمراجع والاختبارات التجريبية والمحتوى الرقمي، يبقى الهدف واحداً: أن يمتلك الطبيب الأدوات التي تساعده على فهم ما يقرأ، ومعرفة ما يدرس، والدخول إلى الاختبار بثقة أكبر. فاللغة، كما تؤمن الحبشي، لا يجب أن تكون حاجزاً بين الطبيب العربي والعلم، بل جسراً يعبر به إليه بثقة.

اشترك في النشرة

احصل على مجلة
العرب
قبل الجميع.

قوائم الأقوى، قصص الغلاف، تحليلات السوق، والملفات التي تُحرّك الحديث العربي — كل أربعاء في بريدك.

لا رسائل مزعجة. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت. بالاشتراك فإنك توافق على سياسة الخصوصية.