تتجاوز الإدارة المالية في المؤسسات الحديثة حدود إعداد التقارير ومراقبة الميزانيات، لتصبح أحد أهم العناصر المؤثرة في رسم الاستراتيجيات وصناعة القرار. ومن هذا المنطلق، تؤمن الخبيرة المالية سماح لانجنر مصطفى، Group CFO وصاحبة خبرة تمتد لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، بأن الأرقام ليست هدفاً بحد ذاتها، وإنما وسيلة تساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أكثر جودة واستدامة.
وفي حوار خاص مع مجلة العرب، استعرضت سماح لانجنر مصطفى أبرز المحطات التي شكّلت مسيرتها المهنية، ورؤيتها لمستقبل الإدارة المالية، والدور الذي يلعبه المدير المالي في دعم نمو الشركات، إلى جانب رؤيتها للتحديات التي تواجه المؤسسات في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
عندما تتحول الأرقام إلى قصص نجاح
تؤكد سماح أن أكثر اللحظات تأثيراً في حياتها المهنية لم تكن مرتبطة بالحصول على منصب جديد أو تحقيق إنجاز شخصي، وإنما عندما رأت إحدى الشركات التي كانت تمر بظروف مالية صعبة تتحول إلى نموذج ناجح بفضل قرارات استراتيجية ساهمت في بنائها.
وترى أن هذه التجربة أكدت لها أن المدير المالي لا يقتصر دوره على حماية الميزانية أو إعداد التقارير المالية، بل يمتد ليشمل حماية مستقبل المؤسسة والعاملين فيها، من خلال تقديم رؤية مالية تدعم استمرارية النمو وتساعد الإدارة على اتخاذ قرارات مدروسة.
المدير المالي شريك في صناعة القرار
وترفض سماح حصر دور المدير المالي في الجوانب المحاسبية فقط، مؤكدة أن الإدارة المالية أصبحت اليوم شريكاً رئيسياً في رسم الاستراتيجيات، وأن نجاح المؤسسات يعتمد على التكامل بين مختلف الإدارات، وليس على الأرقام وحدها.
وتوضح أن الإدارة المالية الناجحة هي التي توازن بين تحقيق الأرباح والحفاظ على الاستقرار المالي، مع بناء خطط طويلة المدى تضمن استدامة النمو ومواجهة التحديات المستقبلية بثقة.
الانضباط أساس النجاح
وعند الحديث عن النجاح، ترى سماح أن الطريق إليه لا يعتمد على التضحيات بقدر ما يعتمد على الانضباط والاستمرارية. فالتعلم المستمر، وتطوير المهارات، وتحمل المسؤولية، كلها عناصر أساسية لبناء مسيرة مهنية قوية وقادرة على مواكبة التغيرات.
وتشير إلى أن النجاح الحقيقي لا يتحقق في فترة قصيرة، بل هو نتيجة تراكم الخبرات، والالتزام بالتطوير المستمر، والقدرة على التعلم من التجارب المختلفة.
الذكاء الاصطناعي يسرّع العمل... لكنه لا يقود المؤسسات
وتناولت خلال اللقاء الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في القطاع المالي، مؤكدة أن التكنولوجيا أصبحت أداة مهمة لتحليل البيانات وتسريع العمليات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإنسان في الجوانب التي تتطلب التفكير الاستراتيجي والقيادة واتخاذ القرارات الأخلاقية.
وترى أن الذكاء الاصطناعي سيواصل تطوير أداء المؤسسات، لكنه سيظل بحاجة إلى العقل البشري الذي يملك القدرة على فهم السياق واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
أكبر الأخطاء المالية
وحول أكثر الأخطاء التي تلاحظ تكرارها في المؤسسات، تشير سماح إلى أن كثيراً من الشركات تركز على الأرباح وحدها، بينما تهمل عناصر أساسية مثل التدفقات النقدية والحوكمة المالية.
وتؤكد أن المؤسسات التي تبني أسساً مالية قوية تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق نمو مستدام، بينما قد تواجه الشركات التي تركز على الأرباح فقط تحديات كبيرة عند تغير الظروف الاقتصادية.
الإنجازات تتحدث عن نفسها
كما تطرقت إلى تجربتها في المناصب القيادية، مؤكدة أنها فضلت دائماً أن تتحدث نتائج عملها عنها بدلاً من الدخول في منافسات أو جدل حول الألقاب. وترى أن الإنجاز الحقيقي ينعكس في أثر العمل داخل المؤسسة، وفي قدرة القائد على تطوير فرق العمل وتحقيق نتائج ملموسة.
القرار الذي غيّر مسيرتها
وتعتبر أن انتقالها من تنفيذ العمليات المالية اليومية إلى المشاركة في صياغة الاستراتيجيات المؤثرة كان نقطة تحول رئيسية في حياتها المهنية، إذ منحها فرصة أوسع للمساهمة في رسم مستقبل المؤسسات، وليس فقط إدارة أرقامها.
رسالة إلى الجيل الجديد
وفي ختام اللقاء، وجهت سماح لانجنر مصطفى رسالة إلى الشباب الراغبين في بناء مستقبل مهني ناجح، دعتهم فيها إلى الاستثمار في المعرفة، والاستمرار في التعلم، وعدم الخوف من اتخاذ القرارات الصعبة، لأن الخبرة تُبنى بالتجربة، والنجاح يحتاج إلى الصبر والانضباط.
كما شددت على أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد المناصب أو حجم المسؤوليات، وإنما بالأثر الذي يتركه الإنسان داخل مؤسسته وفي حياة الآخرين، مؤكدة أن النجاح الحقيقي يتمثل في بناء قيمة مستدامة وإلهام من حولنا لتحقيق الأفضل.