اشترك الآن
مدونة العرب

سارة فريد رحمون لـ«العرب»: عندما تتجاوز الهندسة حدود المهنة لتصبح أسلوباً في التفكير

تقدم المهندسة سارة فريد رحمون رؤية مختلفة للهندسة، بوصفها أسلوباً في التفكير واتخاذ القرار، لا مجرد تخصص مهني. ومن خلال خبرتها في التصميم الداخلي وقيادة المشاريع، تسعى إلى نقل المعرفة العملية عبر برامج تدريبية ومبادرات تعليمية تهدف إلى ربط الدراسة الأكاديمية بمتطلبات سوق العمل.

بقلم فريق التحرير
3 أغسطس 2026 · 4 مشاهدة
سارة فريد رحمون لـ«العرب»: عندما تتجاوز الهندسة حدود المهنة لتصبح أسلوباً في التفكير

حين تتجاوز الهندسة حدود المهنة… وتصبح أثر يتجاوز التخصصص

لا يرى جميع الأشخاص  الأشياء بالطريقة نفسها. قد ينظر أحدهم إلى زهرة فيرى لونها، بينما يرى آخر تناسب أجزائها. وقد يرى شخص مبنى جميلًا، فيما يرى المهندس خلفه شبكة من العلاقات والقرارات والمواد والأنظمة التي جعلت وجوده ممكنًا.

من هذه الزاوية تنظر المهندسة سارة فريد رحمون إلى الهندسة؛ ليس بوصفها مخططات وحسابات فقط، بل طريقةً لفهم العالم، والبحث عن الأسباب، وربط التفاصيل بالصورة الأكبر، وتوقّع أثر القرار قبل تنفيذه.

عملت سارة لسنوات في التصميم الداخلي ومشاريع الديكور والتنفيذ والإشراف على المشاريع، وتدرجت مهنيًا حتى أصبحت Senior Decor Engineer. لكن مسيرتها لم تتوقف عند ممارسة المهنة داخل المكتب والموقع، إذ بدأت بتحويل ما اكتسبته من الميدان إلى برامج ومحاضرات تساعد الآخرين على فهم الواقع المهني كما يُمارس، لا كما يظهر في الكتب وحدها.

وترى أن المعرفة الفنية، على أهميتها، لا تكفي دائمًا؛ فقد يعرف الإنسان الحل الصحيح، لكنه لا يعرف كيف يربطه بالواقع، أو يشرحه للآخرين، أو يحوّله إلى قرار قابل للتنفيذ.

البداية مع برنامج «تمكين»

بدأت التجربة من برنامج هندسي حمل اسم «تمكين»، وُجّه إلى الموظفين والخريجين الجدد لمساعدتهم على الانتقال من المعرفة النظرية إلى بيئة العمل.

جاء البرنامج استجابةً لما لاحظته ساره من حيرة يعيشها كثير من الخريجين عند بداية حياتهم المهنية؛ إذ يمتلكون المعرفة الأكاديمية، لكنهم لا يملكون دائمًا صورة واضحة عما ينتظرهم داخل سوق العمل.

تم تطوير  بناء البرنامج تحت اسم:

Art of Sales Engineering – فن هندسة المبيعات

وانتقل المحتوى إلى المعارض والمهندسين وفرق المبيعات وأصحاب الأعمال، خصوصًا في قطاعات التصميم ومواد البناء والتشطيب الداخلي.

لم تكن الفكرة أن يتحول المهندس إلى بائع تقليدي، بل أن يفهم المنتج والفراغ والعميل واحتياجاته، وأن يقدم حلًا مناسبًا بدل الاكتفاء بعرض السلعة.
 والقدرة على تحويل المعرفة الفنية إلى قيمة عملية وتجارية حقيقية.


مع نجاح البرنامج أدركت أن المحتوى أصبح أوسع من تدريب الموظفين أو فرق المبيعات، فطورت:

Integrated Engineering Project Leadership – IEPL™️
القيادة المتكاملة للمشاريع الهندسية

ليصبح برنامج قابلًا للتقديم من خلال الدورات والندوات وورش العمل في المعاهد والأكاديميات والجهات التعليمية والمهنية.

يتناول IEPL™️ العلاقة بين التفكير الهندسي والقيادة والتواصل واتخاذ القرار وفهم الأدوار والتخصصات، مع التركيز على قراءة الصورة الكاملة بدل التعامل مع كل عنصر بمعزل عن الآخر.

لكن سارة تؤكد أن الإطار لا يقدم نموذجًا واحدًا يجب على الجميع تقليده، لكن يساعد المشاركين على اكتشاف أسلوبهم الخاص في التفكير والعمل.

وتقول:

«لا أريد أن يفكر الآخرون بطريقتي، بل أن يكتشف كل شخص طريقته الخاصة في التفكير».

وتؤمن بأن لكل إنسان بصمته وشخصيته وطريقته في رؤية الأشياء، وأن التعليم الحقيقي لا يصنع نسخًا متشابهة، بل يساعد كل شخص على الاقتراب من قدراته وفهم طريقته في التحليل واتخاذ القرار.

العقل الهندسي خارج حدود المهنة

لا تقدم سارة رحمون التفكير الهندسي بوصفه تخصصًا يجب أن يدرسه الجميع، ولا تسعى إلى تحويل غير المهندس إلى مهندس، بل ترى أنه أسلوب يمكن لأي إنسان الاستفادة منه في عمله وحياته.

فعندما ينظر الإنسان إلى مشكلة بطريقة تحليلية، لا يتوقف عند نتيجتها الظاهرة، بل يسأل: كيف بدأت؟ وما العوامل التي أدت إليها؟ وهل يعالج الحل السبب الحقيقي، أم يخفي النتيجة مؤقتًا؟

وتشبّه سارة المشروع بلوحة يرسمها أكثر من شخص؛ يضيف كل خط معنى، ويؤثر كل تفصيل في الصورة النهائية، وقد تكون التفاصيل التي لا يلاحظها معظم الناس هي التي تصنع الفرق الحقيقي.

غير أن هذه الرؤية لا تقتصر على المشاريع، بل تمتد إلى القرارات والمسارات المهنية والاختيارات الشخصية؛ فالقيمة، في رأيها، ليست في أن يرى الجميع العالم بالطريقة نفسها، بل في أن يطور كل إنسان زاويته الخاصة بدل أن يعيش نسخة من تجربة غيره.

الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي

تمنح سارة رحمون هذه الفكرة أهمية إضافية في ظل التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي. فالأدوات أصبحت قادرة على الرسم والكتابة والتحليل واقتراح الحلول خلال ثوانٍ، وأصبح التقليد أسهل من أي وقت مضى.

لكنها لا ترى الذكاء الاصطناعي خصمًا للإنسان، بل أداةً تكشف الفرق بين من يستخدمها لتطوير قدراته، ومن يسمح لها بأن تحل محل تفكيره.الأدوات أصبحت قادرة على الرسم والكتابة والتحليل، لكنها لا تستطيع أن تمنح الإنسان شخصيته أو تجربته أو فضوله أو طريقته الخاصة في التفكير.

«الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الإنسان الذي يفكر، لكنه قد يستبدل من يتوقف عن التفكير».


بالتوازي مع تطوير برامجها وتقديم محاضرات هندسية عبر الإنترنت، واستعدادها لتوسيعها إلى محاضرات وورش حضورية، تعمل سارة رحمون على كتابها:


والكتاب حاليًا في مرحلة المراجعة والتدقيق، تمهيدًا لطباعته.

 يُعد الكتاب مشروعًا مستقلًا يتناول عالم الهندسة بوصفه منظومة واسعة ومترابطة؛ فيستعرض نشأتها وتطورها عبر العصور، ودور المهندس منذ الحضارات القديمة وصولًا إلى بيئات العمل المعاصرة، كما يعرّف بأبرز العائلات والتخصصات الهندسية، وطبيعة كل تخصص، وأدواره المهنية، ومجالات العمل المرتبطة به، والاتجاهات التي قد تؤثر في مستقبله.
جاءت فكرته من ملاحظة الحيرة التي يعيشها كثير من الطلاب والخريجين عند اختيار تخصصاتهم أو الانتقال إلى سوق العمل؛ إذ يختار بعضهم المجال اعتمادًا على اسمه، أو صورته الاجتماعية، أو الاعتقاد بأنه الأكثر طلبًا، ثم يكتشف لاحقًا أن طبيعة الدراسة أو الممارسة لا تتناسب مع شخصيته وقدراته وتطلعاته.
ولا يختار الكتاب التخصص نيابةً عن القارئ، ولا يقدّم وعودًا جاهزة عن المستقبل، بل يمنحه صورة أكثر وضوحًا عن الطريق: ماذا يدرس، وأين يمكن أن يعمل، وما المهارات التي يحتاج إليها، وكيف تتغير أدواره مع تطور التقنية وسوق العمل.
وينطلق الكتاب من قناعة سارة  بأن الإنسان لا يتعثر دائمًا لأنه غير قادر، بل قد يتعثر لأنه اختار مسارًا لا يناسبه. لذلك تسعى من خلاله إلى تقديم مرجع هندسي تعريفي وعملي يساعد القارئ على فهم الهندسة كما نشأت، وكما تُدرَّس، وكما تُمارس في الواقع، قبل أن يتخذ قراره.


«لا أعتبر أن هدفي قد تحقق لمجرد أنني قدّمت معرفةً أو أضفت معلومات، بل حين أرى أثرًا حقيقيًا يغيّر نظرة الإنسان إلى عمله وقراراته، وحتى إلى ذاته».


فالهندسة، وفق رؤيتها، ليست مهنةً فحسب، بل طريقة في النظر والتفكير: أن نرى العلاقة قبل الجزء، والسبب قبل النتيجة، والجوهر قبل الشكل، وأن ندرك أن أدق تفصيل قد يكون هو ما يغيّر الصورة كاملة

اشترك في النشرة

احصل على مجلة
العرب
قبل الجميع.

قوائم الأقوى، قصص الغلاف، تحليلات السوق، والملفات التي تُحرّك الحديث العربي — كل أربعاء في بريدك.

لا رسائل مزعجة. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.