على امتداد مسيرة حافلة، استطاعت الإعلامية اللبنانية رابعة الزيات أن تحجز لنفسها مكانة بارزة في المشهد الإعلامي العربي، وأن تبني حضوراً خاصاً جمع بين الجرأة والحضور اللافت والقدرة على الاقتراب من الناس وقضاياهم.
تنقّلت بين برامج وتجارب إعلامية متعددة، ونجحت في كل مرحلة في تقديم صورة مختلفة ومتجددة عن الإعلامية التي لا تكتفي بالبقاء تحت الأضواء، بل تحرص على أن يكون لهذا الحضور أثر ومعنى.
مجلة "العرب" أجرت لقاءً خاصاً رابعة الزيات، تحدثت فيه عن مسيرتها الإعلامية الطويلة، ومحطات النجاح والتحديات التي رافقتها، ورؤيتها للإعلام اليوم.
قدّمتِ ما يقرب 15 برنامجاً خلال مسيرتك الإعلامية الطويلة، أي من هذه البرامج أقرب إلى قلبك؟
كل برنامج قدّمته كان بمثابة ولادة جديدة بالنسبة إليّ، لأنه حمل معه تحدياً جديداً وخطاً مختلفاً وأسلوباً إعلامياً متجدداً، لكن من بين البرامج الأقرب إلى قلبي يأتي "بعدنا مع رابعة"، لأنه كان البرنامج الذي عرّفني إلى الجمهور العربي الواسع، ودخل إلى كل بيت عربي، وأيضاً برنامج "شو القصة" الذي كشف جانباً آخر من شخصيتي الإعلامية؛ المستمعة والناقلة للقصة، والوسيطة بين المشاهد والضيف، لذلك، يبقى هذان البرنامجان الأقرب إلى قلبي.
برنامج "بعدنا مع رابعة" تحديداً، استطاع أن يترك بصمة واضحة، وظل حاضراً في ذاكرة الجمهور، ما سر رسوخ هذا البرنامج؟
سرّ نجاحه يكمن بأنه كان يجمع أشخاصاً من مختلف المجالات في سهرة عائلية، واستطاع أن يدخل كل بيت عربي ويحظى باحترام العائلة،وكانت الأسرة تجتمع بأكملها حول التلفزيون؛ ففي ذلك الزمن كان التلفزيون يجمع الناس، فيسهرون معنا، ويضحكون ويتفاجؤون ويفرحون بالأغاني، بل ويدبكون معنا أيضاً، كان برنامجاً قريباً من الناس، يشبه سهرة عائلية حقيقية تجمع الجميع.
اليوم مع تغيّر الجمهور والمنصات، هل تعتقدين أن بإمكان الإعلامي أن يصنع برنامجاً بالرسوخ نفسه الذي صنعه التلفزيون في تلك المرحلة؟
في ظل الإعلام الحالي، أعتقد أن من الصعب على الإعلامي أن يترك أثراًراسخاً في ذاكرة المشاهد، لأن الذائقة تغيّرت، والحياة نفسها تغيّرت، لكن بالتأكيد، هناك أشخاص يصنعون فرقاً، وإن كان شكل هذا الفرق قد اختلف.
فقد نرى، على سبيل المثال، إعلامياً يقدّم عبر إحدى المنصات برنامجاً قائماً على التجارب الاجتماعية، بديكور بسيط، ينزل إلى الشارع ويتفاعل مباشرة مع الناس؛ وقد يترك هذا البرنامج أثراً أكبر ويرسخ في ذهن المشاهد أكثر من برنامج آخر يقوم على البذخ والإنتاج الضخم،وفي النهاية، حجم الإنتاج وحدهلا يصنع الأثر، بل الفكرة وصدقها وقدرتها على ملامسة الناس.
برأيك هل "السوشيل ميديا" طوّرت الإعلام ووسعت مساحته، أم أخذته إلى اتجاه آخر؟
طوّرت بكل تأكيد، لأن الإعلام أصبح يتغذى منها واستفاد من الأدوات التي أتاحتها، لكنها في الوقت نفسه أخذت منه الكثير، وخصوصاً على مستوى التقليد، فقد أصبح أي شخص يمتلك هاتفاً قادراً على أن يقدم نفسه كإعلامي؛ يتحدث، وينقل صورة، ويشارك في صناعة المحتوى.
وفي المقابل، أصبح على الإعلام التقليدي، إذا أراد أن يحافظ على حضوره، أن يواكب هذا التطور ويتكيف مع أدواته الجديدة، وأكبر دليل على ذلك أن بعض الإعلاميين الذين لم يتمكنوا من مواكبة وسائل التواصل الاجتماعي لم ينجحوا في الاستمرار، فتراجع حضورهم وابتعدوا عن الساحة.
لا بد للإعلام من أن يسير مع الزمن، وأن يواكب التحولات التي يشهدها هذا المجال، من دون أن يفقد هويته ومهنيته.
ما أصعب مرحلة مررتِ بها خلال رحلتك الإعلامية؟
مررتُ بمرحلتين صعبتين في مسيرتي الإعلامية، المرحلة الأولى كانت في البدايات، حين كان على الإنسان أن يثبت نفسه في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي موجودة، وكان الإعلام يعتمد بدرجة كبيرة على الواسطة، كما كانت الصورة والشكل يحظيان بمساحة طاغية في حضور المذيعة على الشاشة.
لذلك، لم يكن من السهل أن تثبت المذيعة نفسها وأن تقول: "اسمعوني، ولا تكتفوا بالنظر إليّ"،فكان التحدي كبيراً في إثبات أن الحضور الإعلامي لا يقوم على الشكل فقط، بل على الكلمة والمضمون والقدرة على التواصل مع الجمهور.
أما المرحلة الثانية، فكانت مع تقديم برنامج "+18"، الذي كان برنامجاً جريئاً ومختلفاً، وأثار الكثير من ردود الفعل والانتقادات من الجمهور والنقاد، لم يتقبلني الناس بسهولة في البداية، لأنني ظهرتُ من خلالهبشخصية إعلامية جديدة وبمحتوى مختلف لم يكن الجمهور معتاداً عليه، فواجهت صعوبات كبيرة خلال تلك المرحلة، إذ لم يكن من السهل أن يحظى هذا النوع من البرامج بالقبول داخل المجتمع.
بعد كل هذه السنوات من الخبرة، هل مازالتِ تنتقدين نفسك بعد كل حلقة؟
بالتأكيد، بعد كل حلقة أجري تقييماً ذاتياً وأنتقد نفسي، أعود إلى التفاصيل وأتساءل: لماذا لم أطرح هذا السؤال هنا؟ ولماذا لم أتطرق إلى تلك النقطة؟ وعندما أشاهد الحلقة أحياناً، أوجّه لنفسي الكثير من الانتقادات: لماذا التزمت الصمت في هذا الموقف؟ ولماذا قاطعت الضيف في تلك اللحظة؟
أنا دائماً في حالة نقد ذاتي مستمر، وأرى أن هذه المراجعة ضرورية للاستمرار والتطور، وللحفاظ على القدرة على تقديم الأفضل في كل مرة.
هل الخبرة جعلتك أكثر جرأة أم أكثر حذراً أمام الكاميرا؟
الخبرة جعلتني أكثر جرأة، لا أكثر حذراً، على العكس، في بداياتي، كنتُ أكثر حذراً بسبب نقص الخبرة، وكنت أخشى الوقوع في المشكلات والأخطاء والمطبات، لكن مع مرور الوقت وتراكم الخبرة، أصبحتُ أكثر جرأة، وفي الوقت نفسه أكثر مسؤولية وقدرة على التحكم في الموقف وإدارته، لذلك، أرى أن الخبرة منحتني جرأة أكبر أمام الكاميرا.
بعد كل هذه السنوات، ما الذي مازال يخيفكِ في العمل الإعلامي؟
أخشى الوقوع في مطبّ مهني من خلال استضافة ضيف ما، كما أخشى أن أقدِم على خطوة قد تسيء إلى المجتمع من دون أن أكون مدركة لذلك، لأن الإعلام في النهاية يحمل مسؤولية البحث والتدقيق.
لكن، بخلاف ذلك، لا شيء في المجال الإعلامي يخيفني،فلا أخشى مثلاً أن تذهب الشهرة لأنني من الأشخاص الذين يؤمنون بالتجدد؛ فإذا أُغلق باب في وجهي،أفتح أمامي أبواب أخرى.
أما في الحياة، فأخشى المرض والعجز، وأخشى أن أفقد القدرة على القيام بالأشياء التي أحبها، لكن من الناحية الإعلامية، لا أخاف من شيء.
اعتدتِ أن تتحكمين في مشاعرك أمام الكاميرا، لكنك في زفاف ابنك غلبتك الدموع، كيف تصفين تلك اللحظة؟
كانت تلك ثاني أسعد لحظة في حياتي بعد ولادة ابني، لم أستطع أن أتحكم بمشاعري، لأن الإحساس في تلك اللحظة مختلف تماماً، وكل أمّ تعرف ما أعنيه.
إنها فرحة أن ترى هذا الطفل الذي جاء إلى الحياة بفضلك، ينتقل إلى مرحلة جديدة من حياته، ويكبر أمام عينيك حتى يصبح عريساً.
هناك لحظات تتغلب فيها الإنسانية على كل شيء، حتى على خبرة الإنسان أمام الكاميرا وقدرته على التحكم بمشاعره.
عندما تبتعدين عن الكاميرا، من هي رابعة الزيات بعيداً عن صفة "الإعلامية"؟
أنا أم وزوجة وأخت وإنسانة طبيعية تحتاج إلى أهلها وصديقاتها وأولادها، وأنا أيضاً سيدة أعمال، وأعتبر نفسي شخصاً يعمل كثيرًا في حياته؛ فحياتي تنقسم بين العمل والعائلة، وهما يشكلان الجزء الأكبر من يومي واهتماماتي.