في حلقة مميزة من "سكوب العرب"، قدّمت مدربة علم النفس الإيجابي، ندين كلش، تشريحاً وجدانياً ومعرفياً للواقع النفسي المعقد الذي يعيشه الإنسان العربي المعاصر؛ حيث لم يكن اللقاء مجرد طرح لأسئلة تقليدية، بل كان غوصاً عميقاً في ظواهر نلمسها جميعاً في تفاصيل حياتنا اليومية، من صعود موجات القلق، وتأثير الهواتف على سلامنا الداخلي، إلى فوضى المفاهيم النفسية المستوردة وتراجع مرونة العلاقات الإنسانية؛ إذ تطرح ندين كلش مقاربة متوازنة تجمع بين الاعتراف بالألم النفسي الحقيقي والدعوة المسؤولة لتمكين الذات والتعافي، مستندة إلى فلسفة علم النفس الإيجابي التي تسعى لبناء مكامن القوة والامتنان بدلاً من الاستسلام لدوامة الشكوى وتأدية دور الضحية.
لغة المشاعر بين جيلين: هل زاد القلق حقاً أم أننا نعيش دور الضحية؟
إن أولى النقاط الجوهرية التي أثارتها ندين كلش عبر "سكوب العرب" هي الإجابة عن السؤال الملح: "صرنا بزمن الكل بيقول أنا عندي قلق... برأيك زاد القلق ولا صرنا نعيش دور الضحية أكثر؟"؛ حيث تؤكد كلش أن القلق قد زاد بالفعل نتيجة تسارع نمط الحياة وتزايد منغصاتها، غير أن هذه الزيادة تترافق مع وعي وجداني أكبر وجرأة على التعبير، كما تشير المدربة إلى أن جيل الآباء والأجداد كابد مستويات مرتفعة من الضغوط والاضطرابات، لكنهم واجهوها في بيئة تفتقر إلى المساحة والمصطلحات النفسية للإفصاح عن الذات ومشاركة الألم، فكانت تلك الأوجاع تُدفن صمتاً وتُكبت عاطفياً لتترجم لاحقاً في صورة أعراض جسدية مبهمة خوفاً من وصمة المرض النفسي؛ بينما أصبح جيلنا اليوم يمتلك القدرة والوعي لتسمية مشاعره ومشاركتها علناً، وهو ما يعد خطوة إيجابية نحو الصحة النفسية الرقمية والواقعية.
ومع ذلك، تضع ندين كلش حداً فاصلاً يمنع الانزلاق نحو السلبية؛ إذ تحذر من الخلط بين شخص يطلب المساعدة بوعي حقيقي، وشخص يتهرب من المسؤولية متبنياً "دور الضحية" للتملص من تحديات الحياة اليومية، وهي رؤية تلتقي مع مفاهيم علم النفس الإيجابي حول "مركز الضبط" (Locus of Control)؛ حيث يتسم طالب المساعدة بمركز ضبط داخلي يدعه يبحث عن استراتيجيات مواجهة إيجابية تهدف للنمو الشخصي والتحكم الذاتي، بينما يرتبط تبني دور الضحية بمركز ضبط خارجي مفرط يقود صاحبه إلى حالة "العجز المكتسب" (Learned Helplessness)، فيقتنع الفرد بعدم جدوى المحاولة ويتجنب الاندماج الفعال في حل مشكلاته وتطوير ذاته.
المجتمع العربي المعاصر: قراءة في ثلاث أزمات وجدانية ورغبة في التعافي
وفي تشخيصها للمجتمع العربي اليوم عبر "سكوب العرب"، وصفت ندين كلش الواقع بثلاث حالات نفسية منتشرة تعكس عمق التحديات الراهنة:
أولاً، القلق: وهو النتيجة الحتمية لغياب الاستقرار الاقتصادي والسياسي وسرعة الحياة المتزايدة؛ إذ تدعم المسوح الطبية الحديثة هذا الطرح وتشير إلى أن معدلات القلق العام والتوتر في الدول العربية المستقرة تتراوح بين 4% إلى 6%، بينما تقفز بشكل حاد لتتجاوز 10% في البيئات التي تعاني من النزاعات والضغط الاقتصادي الحاد خوفاً من وقوع أحداث سيئة في المستقبل.
ثانياً، الإرهاق النفسي: وتعرفه كلش بأنه نتيجة عيش الناس في وضعية "النجاة المستمرة" (Survival Mode) والتوفيق الصعب بين مسؤوليات تفوق طاقتهم الاستيعابية، مما يستنزف مرونتهم النفسية ويؤدي لتعرضهم للانهيار العاطفي المستمر.
ثانياً، الشعور بالوحدة: وهي المفارقة الأبرز لعصرنا؛ فرغم أدوات الاتصال الرقمي الدائم، يفتقد الأفراد للألفة والاحتواء العاطفي العميق، ويشعرون بأنهم غير مفهومين، مما يعمق العزلة والانسحاب والتردد الاجتماعي.
ورغم دقة هذه التحديات وقسوتها، تنهي كلش تشخيصها بلمسة أمل قوية، مؤكدة لـ"سكوب العرب" أن هناك وعياً متزايداً ورغبة حقيقية لدى الناس اليوم للاهتمام بصحتهم النفسية والسعي نحو التعافي، وهو ما يعزز بناء مجتمعات أكثر صلابة وتماسكاً في وجه الأزمات.
فخ السوشال ميديا والمقارنة المنهكة للسلام الداخلي
تطرح ندين كلش نقاشاً واعداً حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وتجيب عن فرضية إغلاقها لأسبوع كامل قائلة إن الصحة النفسية للغالبية العظمى من الناس ستشهد تحسناً ملموساً؛ حيث توضح أن هذه المنصات غدت مصدراً دائماً للمقارنة الاجتماعية والأخبار السلبية والضغط النفسي لنبدو بمظهر مثالي خالٍ من العيوب، ومع ذلك، ترى كلش أن المشكلة ليست في الوسيلة التكنولوجية ذاتها بل في "طريقة استخدامنا لها"، فالبعض يستمد منها الدعم والتواصل خاصة المغتربين الذين يحتاجون لبناء مجتمعات مساندة للتغلب على الوحدة والعزلة.
وتنبه كلش لظاهرة "المقارنة المستمرة" قائلة بعبارة بليغة: "المشكلة أننا نقارن حياتنا الحقيقية بكواليس الآخرين المعدلة والمفلترة"، وهو ما يدخل في إطار "المقارنة الاجتماعية الصاعدة" (Upward Social Comparison)؛ فالاستخدام السلبي والتصفح الصامت للمحتوى يولد شعوراً مزمناً بالنقص وجلد الذات المستمر، مما يدمر مشاعر الامتنان والرضا الشخصي، كما تشير الدراسات إلى أن مقارنات المظهر والإنجازات تثير سلوكيات "التشييء الذاتي" وتفاقم قلق المظهر، فضلاً عن الأثر العضوي والبيولوجي للضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة قبل النوم، والذي يشوش الإيقاع البيولوجي الطبيعي ويعيق إفراز الهرمونات المنظمة للنوم، ليدخل المستخدم في حلقة مفرغة من سوء جودة النوم وتفاقم أعراض القلق والتوتر.
معادلة السعادة المفقودة وسطوة الخوف من المستقبل
تفسر ندين كلش في حديثها مع "سكوب العرب" لغز تعاسة الكثيرين رغم امتلاكهم لجميع مقومات النجاح والرفاه كالمادة والعمل والعائلة، وتؤكد أن "السعادة ليست معادلة حسابية"؛ فقد يحوز الفرد منجزات مادية براقة لكنه يظل مستنزفاً ومفتقداً للمعنى والراحة والتقدير الداخلي بسبب ركضه الدائم تحت وطأة توقعات المجتمع وصراع إثبات الذات، فالصحة النفسية ترتبط بجودة علاقتنا مع ذواتنا ووعينا بأهدافنا الشخصية المستقلة، لا بالظروف والمظاهر الخارجية فحسب.
وتحدد كلش "الخوف من المستقبل" كأكبر سارق لراحة البال والسكينة، وتصفه بأنه "البرنامج الافتراضي" الذي يتغذى من القلق المادي والاجتماعي وضغوط الحياة؛ إذ إن هذا القلق الاستباقي (Anticipatory Anxiety) يجعل الإنسان يعيش في "زمن افتراضي مظلم"، مشتتاً بين ندم على ماضٍ مضى وقلق مفرط من آتٍ مجهول، غافلاً تماماً عن عيش الحاضر الفعلي الذي يمتلك فيه أدوات الفعل والتحكم الحقيقية، وتقترب رؤية كلش من علم النفس المعرفي السلوكي (CBT)، حيث لا تنبع المعاناة الحقيقية من الأحداث بل من تفسيراتنا وتوقعاتنا المشوهة والكارثية للواقع، فالدماغ، لحمايتنا من الأخطار من منظور تطوري، مبرمج تلقائياً للتركيز على السلبيات والتهديدات كآلية دفاعية، مما يجعله بحاجة ماسة لجهد واعٍ للخروج من هذا النمط المعطل والعودة للحاضر.
زحف المفاهيم السيكولوجية وأثره على تميع المعاناة الحقيقية
في ختام حوارها عبر "سكوب العرب"، ناقشت المدربة ندين كلش مسألة انتشار المصطلحات النفسية مثل "الصدمة النفسية" (Trauma) و"التوكسيك" (Toxic) و"القلق"، وتوظيفها أحياناً كأدوات للتبرير السلوكي والتهرب من المسؤولية؛ حيث تلتقي رؤيتها النقدية مع نظرية "زحف المفاهيم" (Concept Creep) لعالم النفس نيك هسلام، التي تصف كيف تتسع دلالات الأذى النفسي رأسياً لتشمل تجارب يومية معتادة (كأن يطلق لفظ صدمة على تجربة مزعجة عادية)، وأفقياً لتتضمن ظواهر سلوكية جديدة (كإطلاق وصف شخص سام على كل من يختلف معنا في الرأي أو يسبب لنا انزعاجاً بسيطاً).
وتحذر كلش من أن هذا التميع اللغوي يهدد المرونة النفسية للأفراد ويسهم في تسطيح المعاناة الحقيقية ومساواة الضغوط الطبيعية اليومية بالاضطرابات الكبرى والسريرية المحققة عيادياً، كما يغذي هذا الزحف ظاهرة "التشخيص الذاتي" العشوائي المبني على خوارزميات المنصات الرقمية؛ ولذلك تدعو ندين كلش للتوازن، بحيث لا نستهين بالألم النفسي الحقيقي للناس، وفي نفس الوقت ألا نحول كل تحدٍ طبيعي وعقبة حياتية إلى تشخيص مرضي، فالهدف من الوعي ليس تسمية أنفسنا بملصقات وتسميات جاهزة، بل فهم ذواتنا بعمق والتعامل مع مشكلاتنا بمسؤولية ونضج وطرق صحية.
خاتمة: بوصلة التعافي واليقظة الذهنية
يأتي حديث ندين كلش عبر "سكوب العرب" بمثابة بوصلة عملية لاستعادة السكينة والرفاه الروحي والجسدي وسط صخب الحياة المعاصرة؛ إن مواجهة مهددات الصحة النفسية وبناء صلابة نفسية مستدامة يتطلبان استراتيجيات يبرزها علم النفس الإيجابي، وفي مقدمتها ممارسة "اليقظة الذهنية" (Mindfulness) عبر الحضور الواعي والتركيز المطلق على اللحظة الحالية (هنا والآن) دون إطلاق أحكام مسبقة، وتؤكد الأبحاث أن هذه الممارسة تسهم في تقليص نشاط وحجم اللوزة الدماغية (مركز الخوف والإنذار بالدماغ) وخفض التوتر بفعالية ملموسة، وإلى جانب حضور الذهن، تدعونا المدربة كلش لإعادة بناء علاقة متوازنة وصحية مع الذات، وتوجيه الانتباه نحو تقدير النعم وممارسة الامتنان والتعاطف الذاتي لتجاوز سموم المقارنات، والعيش بمسؤولية وأمل وشجاعة أمام تقلبات الحياة.
في مشهد السعي نحو السكينة في عصر الصخب.. ندين كلش تقدم قراءة عميقة لواقع الصحة النفسية ف العربي المعاصر، تتجلّى قصة تُجسّد طموحاً لا يعرف حدوداً. تستعرض مدربة علم النفس الإيجابي ندين كلش، عبر برنامج «سكوب العرب»، أبرز التحديات النفسية التي يواجهها الإنسان العربي، متناولةً تصاعد القلق، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، والخوف من المستقبل، وانتشار المفاهيم النفسية الحديثة، مع تقديم رؤية متوازنة لبناء المرونة النفسية واستعادة السكينة في الحياة اليومية. فريق مجلة العرب زار الميدان وتحدث إلى المعنيين مباشرة، ليقدّم تقريراً موسعاً يتجاوز العناوين السريعة ويغوص في التفاصيل التي تُشكّل الفرق.
البدايات لم تكن سهلة. ورغم التحديات الهيكلية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، استطاع أبطال هذه القصة تحويل العقبات إلى فرص. خبراء يرون أن هذا النمو ليس صدفة، بل نتيجة سنوات من العمل الصامت والاستثمار في المعرفة والمواهب المحلية.
من منظور اقتصادي، يُظهر التقرير أن السعي نحو السكينة في عصر الصخب.. ندين كلش تقدم قراءة عميقة لواقع الصحة النفسية ف أصبح محركاً حقيقياً للتغيير. البيانات الأخيرة تشير إلى نمو ملحوظ في الاهتمام الإقليمي والدولي، مع تزايد الطلب على المحتوى العربي الأصيل الذي يقدّم رؤية متوازنة من داخل المنطقة.
«نحن لا نبني مشروعاً مؤقتاً، بل نؤسّس لمسار طويل الأمد»، يقول أحد المشاركين في الحوار. هذه العبارة تلخّص فلسفة كثير من رواد هذا المجال، الذين يربطون النجاح بالصبر والاستدامة والالتزام بالقيم.
على صعيد المجتمع، يترك السعي نحو السكينة في عصر الصخب.. ندين كلش تقدم قراءة عميقة لواقع الصحة النفسية ف أثراً واضحاً. الشباب العربي يرى في هذه النماذج مصدر إلهام، بينما المؤسسات التعليمية والثقافية تتكيّف مع متطلبات جديدة. التحول الرقمي لعب دوراً محورياً في تسريع هذا التأثير عبر الحدود.
لا يمكن فهم الصورة كاملة دون النظر إلى السياق الإقليمي. من الخليج إلى المشرق وشمال أفريقيا، تتنوع التجارب لكنها تتقاطع حول هدف مشترك: إثبات أن الإنسان العربي قادر على المنافسة العالمية دون التخلي عن هويته.
محللون يرون أن المرحلة القادمة ستحمل مزيداً من التحديات، لكن أيضاً فرصاً غير مسبوقة. الاستثمار في البحث والتطوير، إلى جانب الشراكات الدولية الذكية، سيكونان مفتاح النجاح على المدى الطويل.
في ختام تحقيقنا، يتّضح أن السعي نحو السكينة في عصر الصخب.. ندين كلش تقدم قراءة عميقة لواقع الصحة النفسية ف ليس مجرد عنوان إخباري عابر، بل جزء من تحول أوسع في الوعي العربي المعاصر. مجلة العرب ستتابع هذه القصة وتحرص على تقديم متابعة دورية للقارئ العربي المهتم بالعمق لا بالسطحية.