لم تعد المشاركة العربية في مشهد الأزياء الراقية في باريس مجرد حضور عابر، بل أصبحت جزءاً واضحاً من الصورة التي يرسمها أسبوع الهوت كوتور في كل موسم. وخلال دورة خريف وشتاء 2026-2027، برز عدد من دور الأزياء والمصممين العرب ضمن البرنامج الرسمي، في مشهد يعكس اتساع المساحة التي تشغلها المواهب العربية في صناعة الأزياء العالمية.

أقيم أسبوع باريس للأزياء الراقية لخريف وشتاء 2026-2027 بين 6 و9 يوليو 2026، وضم البرنامج الرسمي مجموعة من الأسماء العربية إلى جانب أبرز دور الأزياء العالمية. ومن بين المشاركين إيلي صعب، زهير مراد، جورج حبيقة، رامي العلي، وAshi Studio للمصمم السعودي محمد آشي. كما شهدت الفترة نفسها عروضاً عربية أخرى في باريس، من بينها مجموعة طوني ورد للأزياء الراقية.

ولا تكمن أهمية هذا الحضور في عدد الأسماء فقط، بل في تنوع التجارب التي يقدمها المصممون العرب، من الأزياء المستوحاة من الصحراء والطبيعة، إلى التصاميم المعمارية، والتطريز، والمواد الفاخرة، والخيال المسرحي، مع الحفاظ على صلة واضحة بالحرفية التي تشكل جزءاً أساسياً من هوية الأزياء العربية.

بيروت ودبي حاضرتان في قلب المشهد الباريسي

يحمل الحضور العربي في باريس خلفيات مختلفة، إلا أن بيروت ودبي تظهران بشكل واضح في مسارات عدد من دور الأزياء المشاركة.

دار جورج حبيقة، التي تأسست عام 1995، توزع نشاطها بين بيروت وباريس، وتواصل حضورها ضمن الجدول الرسمي لأسبوع الأزياء الراقية منذ عام 2017. أما دار إيلي صعب، التي تأسست عام 1982، فلها مشاغل في بيروت وباريس وأصبحت واحدة من الأسماء الراسخة في عالم الأزياء الراقية عالمياً.

وفي الجانب الآخر، تأسست دار رامي العلي في دبي عام 2001، بينما ينتمي مصممها إلى سوريا. ويشكل وجوده في البرنامج الرسمي امتداداً لمسار طويل نقل تجربته من المنطقة إلى منصات الأزياء العالمية.

أما Ashi Studio، التي أسسها المصمم السعودي محمد آشي عام 2007، فتمثل تجربة مختلفة في المشهد العربي المعاصر، تقوم على التعامل مع الحجم والبنية والتكوين باعتبارها عناصر أساسية في صناعة الإطلالة.

وتكشف هذه التجارب عن مشهد عربي لا يرتبط بمدينة واحدة أو مدرسة تصميم واحدة، بل يمتد بين بيروت ودبي والرياض وغيرها، قبل أن يلتقي في باريس ضمن واحدة من أهم منصات الأزياء الراقية في العالم.

إيلي صعب.. الخيال يتحول إلى أزياء

قدّم إيلي صعب لموسم خريف وشتاء 2026-2027 مجموعة حملت عنوان "The Ball of Untamed Dreams"، واتجهت نحو عالم من الخيال والتحول، حيث بدت الأزياء وكأنها تتحرك بين الواقع والحلم.

ظهرت في المجموعة فساتين ذات طابع مسرحي، إلى جانب الأقمشة الشفافة والطبقات والتطريزات الدقيقة، مع استخدام اللؤلؤ والعناصر اللامعة لإضافة عمق إلى الإطلالات.

كما برزت ألوان متحولة ودرجات تجمع بين البنفسجي والفضي والأزرق والوردي، بينما جاءت بعض التفاصيل وكأنها مستوحاة من عناصر طبيعية وأشكال عضوية، لتمنح المجموعة طابعاً أقرب إلى عالم خيالي متغير مع الحركة.

وبهذه المقاربة، حافظت الدار على جانبها المعروف في الأزياء المسائية والفساتين الراقية، مع دفع الخيال البصري إلى مساحة أكثر درامية.

زهير مراد.. الحرفية واللمعان في قلب الأزياء الراقية

واصل زهير مراد حضوره ضمن أسبوع باريس، مقدماً مجموعة لخريف وشتاء 2026-2027 تنتمي إلى عالمه المعروف بالزخرفة والتطريز والتفاصيل الدقيقة.

وتعتمد تجربة الدار على الجمع بين الإرث الحرفي والتصميم المعاصر، مع اهتمام واضح بالتفاصيل التي تمنح القطعة حضوراً بصرياً قوياً.

وتؤكد مشاركة زهير مراد المتواصلة في جدول الهوت كوتور أن الأزياء العربية قادرة على الحفاظ على هويتها الجمالية، وفي الوقت نفسه التفاعل مع اللغة المتغيرة للموضة العالمية.

جورج حبيقة.. الضوء والطبيعة في صياغة جديدة

قدّم جورج حبيقة مجموعته بعنوان "The Visitor"، مستلهماً فكرتها من التأمل في جمال العالم والطبيعة والحضور الإنساني فيه.

انعكست هذه الرؤية على القصّات المعمارية والخفيفة في الوقت نفسه، مع استخدام التطريزات المضيئة والدانتيل والخامات التي تسمح بحركة ناعمة للإطلالة.

كما ظهرت ألوان مستوحاة من السماء والبحر والطبيعة، إلى جانب تفاصيل لامعة وأشكال هندسية تمنح التصميم توازناً بين الرقة والبنية الواضحة.

وتحافظ المجموعة على مكانة التطريز باعتباره إحدى التقنيات الأساسية في هوية الدار، مع تقديمه ضمن تصاميم أكثر خفة وحداثة.

رامي العلي.. الصحراء تتحول إلى لغة تصميم

يحمل حضور رامي العلي في باريس دلالة خاصة، فهو مصمم سوري أسس داره في دبي، وأصبح أول مصمم سوري ينضم إلى الجدول الرسمي لأسبوع الأزياء الراقية في باريس.

وفي مجموعة خريف وشتاء 2026-2027، اتجه العلي إلى الصحراء بوصفها مساحة بصرية غنية بالضوء والحركة والتحولات.

استحضرت بعض التصاميم التكوينات الهندسية، والظلال المتغيرة، والألوان التي تتدرج من الدرجات الرملية إلى الألوان الأعمق، بينما ظهرت تفاصيل تلمّح إلى عناصر من الملابس التقليدية في المنطقة، ولكن ضمن معالجة معاصرة.

وتكشف هذه المقاربة عن قدرة المصمم العربي على تحويل البيئة المحلية إلى مصدر إلهام عالمي، من دون الوقوع في إعادة تقديم التراث بصورته التقليدية المباشرة.

محمد آشي.. رؤية سعودية بصياغة عالمية

يواصل المصمم السعودي محمد آشي، مؤسس Ashi Studio، ترسيخ حضوره في عالم الأزياء الراقية من خلال تصاميم تعتمد على الأحجام القوية والبنية النحتية والتوازن بين الطابع المسرحي والبساطة.

ويتميز أسلوب الدار بالاهتمام الواضح بالقصّات والحجوم، مع مزج بين تأثيرات باروكية وأخرى أكثر نقاءً وحداثة.

ويأتي حضور Ashi Studio في أسبوع باريس ضمن مسار بدأ منذ سنوات، حيث أصبح محمد آشي أول مصمم سعودي يقدم عرضاً ضمن الجدول الرسمي لأسبوع الأزياء الراقية، قبل أن يواصل تطوير لغته الخاصة على الساحة العالمية.

وهكذا تمثل تجربته جانباً مهماً من التحول الذي تشهده الموضة العربية، حيث لا يقتصر الطموح على الوصول إلى المنصات العالمية، بل يمتد إلى بناء هوية تصميمية يمكن التعرف إليها من خلال الشكل والحجم والتقنيات.

طوني ورد.. الصحراء والحرف اللبنانية

وبالتوازي مع البرنامج الرسمي لأسبوع الهوت كوتور، قدم المصمم اللبناني طوني ورد مجموعته لخريف وشتاء 2026-2027 في باريس بعنوان "Whispers of the Dunes"، مستلهماً عالمها من الصحراء وحركة الكثبان.

ظهرت في المجموعة ألوان مستوحاة من الرمل والذهب والدرجات الترابية، قبل الانتقال إلى الأحمر الداكن والأسود وبعض اللمسات المعدنية.

واعتمدت التصاميم على الفساتين المنسدلة، والقصّات المنحوتة، والعباءات والطبقات والأقمشة المتحركة، إلى جانب استخدام الكروشيه والتطريزات اليدوية.

ومن أبرز جوانب المجموعة حضور الحرف اللبنانية، إذ شارك حرفيون لبنانيون في تنفيذ بعض التفاصيل، بما يربط العرض الباريسي بالتقاليد اليدوية التي تشكل جزءاً من تاريخ الأزياء في لبنان.

الحرفية العربية كعنصر قوة

رغم اختلاف أساليب المصممين المشاركين، تظهر الحرفية كخيط مشترك في عدد كبير من التجارب العربية.

فالتطريز، والعمل اليدوي، والتعامل الدقيق مع الأقمشة، وبناء القصّات المعقدة، كلها عناصر تمنح الأزياء الراقية قيمتها، وهي مجالات تمتلك فيها المنطقة العربية تقاليد طويلة.

لكن ما يميز الجيل الحالي من المصممين هو إعادة استخدام هذه العناصر بعيداً عن الشكل التراثي المباشر. فالتطريز يمكن أن يتحول إلى تكوين هندسي، والصحراء إلى لوحة ألوان، والملابس التقليدية إلى فكرة لبناء قصّة جديدة، بينما يمكن للحرف اليدوية أن تدخل في تصاميم مستقبلية.

من الاستلهام المحلي إلى اللغة العالمية

يكشف الحضور العربي في باريس عن تحول مهم في علاقة الموضة العربية بالساحة العالمية.

لم يعد التراث مجرد عنصر يستخدم لإضفاء هوية محلية على التصميم، بل أصبح مادة يمكن إعادة تفسيرها ضمن لغات مختلفة: معمارية، تجريبية، رومانسية أو مستقبلية.

وهنا تكمن أهمية مشاركة المصممين العرب في الهوت كوتور؛ فهم لا يقدمون نسخة من الموضة العالمية، وإنما يضيفون إليها تجارب تشكلت في بيئات وثقافات مختلفة.

وبين بيروت ودبي والرياض وباريس، تتسع خريطة الأزياء العربية لتصبح أكثر تنوعاً، فيما تتحول الحرفية والهوية والقدرة على سرد القصص من عناصر محلية إلى أدوات قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.

باريس منصة.. والهوية العربية تتطور

أكد موسم خريف وشتاء 2026-2027 أن حضور المصممين العرب في باريس لم يعد ظاهرة مرتبطة باسم واحد أو موسم واحد، بل أصبح جزءاً مستمراً من مشهد الأزياء الراقية.

ومن إيلي صعب وزهير مراد وجورج حبيقة إلى رامي العلي ومحمد آشي وطوني ورد، تتعدد الأساليب والرؤى، لكن النتيجة تلتقي عند نقطة واحدة: قدرة التصميم العربي على تحويل الحرفة والذاكرة والبيئة والخيال إلى لغة أزياء معاصرة.

وبينما تظل باريس إحدى أهم عواصم الهوت كوتور، يبدو أن الموضة العربية لم تعد تكتفي بالحضور على منصاتها، بل أصبحت تشارك في صياغة الصورة الجديدة للأزياء الراقية، عبر تجارب تحمل جذورها معها وتقدمها بلغة تتجاوز الحدود.