تحولت العاصمة الصينية بكين خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى مسرح لأحد أكثر الأحداث التكنولوجية غرابة وإثارة، مع انطلاق النسخة الثانية من ألعاب الروبوتات البشرية العالمية، التي تجمع أكثر من ألفي روبوت في منافسات تحاكي الرياضات والمهام التي يؤديها البشر.

وانطلقت الألعاب يوم السبت 22 أغسطس في المضمار الوطني للتزلج السريع في بكين، بمشاركة 2056 روبوتًا من 666 فريقًا يمثلون 16 دولة، في توسع كبير مقارنة بالنسخة الأولى التي أقيمت العام الماضي. وتستمر المنافسات خمسة أيام حتى 26 أغسطس، وتتضمن 51 فعالية وأكثر من 1300 مباراة ومنافسة.

ولا تقتصر الألعاب على استعراض قدرة الروبوتات على الحركة والركض، إذ صُممت المنافسات لتختبر مجموعة واسعة من قدراتها، بدءًا من الرياضات التقليدية وصولًا إلى مهام تحاكي ظروف العمل والحياة اليومية.

وتشمل الفعاليات مسابقات في سباقات السرعة، وكرة القدم، وتنس الطاولة، ورفع الأثقال، وشد الحبل، والفنون القتالية الصينية، إلى جانب مجموعة من الاختبارات العملية التي تهدف إلى معرفة مدى قدرة الروبوتات على التعامل مع مهام واقعية خارج المختبرات.

وكان سباق 100 متر من أكثر المنافسات التي جذبت اهتمام الجمهور والإعلام العالمي، بعدما نجح الروبوت الصيني «تيانغونغ ألترا» (Tiangong Ultra) في قطع المسافة خلال 9.39 ثانية في إحدى التصفيات.

ويُعد الرقم لافتًا لأنه أسرع من الرقم القياسي العالمي البشري المسجل باسم أسطورة ألعاب القوى الجامايكية يوسين بولت، الذي سجل 9.58 ثانية في بطولة العالم لألعاب القوى في برلين عام 2009.

وخلال السباق، لم يكن «تيانغونغ ألترا» في المقدمة منذ البداية، إذ بدأ خلف منافسه «لايتنينغ» (Lightning) الذي طورته شركة التكنولوجيا الصينية «هونر». لكن الروبوت الصيني تمكن من رفع سرعته في الأمتار الأخيرة وتجاوز منافسه قرب خط النهاية، لينهي السباق في 9.39 ثانية.

ولم يكن «لايتنينغ» بعيدًا عنه، إذ أنهى السباق في 9.47 ثانية، وهو زمن أسرع أيضًا من الرقم العالمي البشري البالغ 9.58 ثانية.

لكن المشهد لم يكن خاليًا من المفارقات. فبعد عبور خط النهاية، واجه الروبوتان صعوبة في التوقف والحفاظ على توازنهما. فقد تعثر «تيانغونغ ألترا» بعد السباق، بينما سقط «لايتنينغ» أيضًا، في مشهد كشف أن التطور الكبير في سرعة الروبوتات لا يعني بالضرورة وصولها إلى المستوى نفسه من التحكم والاستقرار.

وشهدت المنافسات أيضًا إنجازًا آخر لافتًا، بعدما تمكن روبوت بشري طورته شركة X-Humanoid من تحقيق قفزة عمودية بلغ ارتفاعها 2.88 متر، متجاوزًا الرقم القياسي البشري في القفز العالي البالغ 2.45 متر، وفق وكالة أسوشيتد برس.

إلا أن منظمي الألعاب لا يريدون أن تتحول المنافسات إلى مجرد سباق لإثبات أن الروبوت أسرع من الإنسان. فالهدف الأوسع يتمثل في اختبار قدرة هذه الآلات على أداء المهام التي قد تحتاج إليها في العالم الحقيقي.

ولهذا السبب، تتضمن دورة هذا العام اختبارات مرتبطة بالصناعة والخدمات والطوارئ. وتشمل بعض المنافسات مهام مثل شحن السيارات الكهربائية، وتجميع القطع الصناعية، والتعامل مع الكابلات والأدوات، والتعرف على الأشياء، وتنفيذ مهام دقيقة في بيئات غير منظمة.

ووفق رويترز، فإن أكثر من 40% من التحديات في الألعاب تتطلب تشغيل الروبوت بصورة مستقلة بالكامل، ما يجعلها اختبارًا للذكاء الاصطناعي والتحكم الحركي، وليس مجرد اختبار للسرعة والقوة البدنية.

ومن بين الاختبارات الأكثر صعوبة، تواجه الروبوتات مواقف تتطلب التعرف على الأشياء واتخاذ قرارات وتصحيح الأخطاء أثناء تنفيذ المهمة، وهي قدرات تعتبر أكثر أهمية بالنسبة إلى الاستخدام التجاري من مجرد تحقيق أرقام قياسية في سباقات قصيرة.

وفي أحد اختبارات مكافحة الحرائق، شارك 23 فريقًا في مهمة تتطلب من الروبوتات التعرف على المواد الخطرة، وإغلاق الصمامات، ثم التعامل مع حريق باستخدام مطفأة خلال مدة محددة. ولم يتمكن سوى ثلاثة فرق من إكمال جميع المهام المطلوبة ضمن الوقت المحدد، ما يعكس حجم الصعوبات التي لا تزال تواجه الروبوتات عند التعامل مع ظروف غير متوقعة.

وتأتي هذه المنافسات في وقت تسعى فيه الصين بقوة إلى تطوير صناعة الروبوتات البشرية وتحويلها من مشاريع بحثية وتجارب استعراضية إلى منتجات يمكن استخدامها في قطاعات مختلفة.

وتراهن الشركات الصينية على إمكانية استخدام الروبوتات مستقبلًا في المصانع والمستودعات والخدمات اللوجستية والمطاعم وبعض الأعمال الخطرة أو التي تتطلب جهدًا بدنيًا.

كما تزامنت الألعاب مع فعاليات أخرى مرتبطة بصناعة الروبوتات في بكين، حيث تعرض شركات ومؤسسات بحثية مجموعة واسعة من التقنيات الجديدة. ويعكس حجم المشاركة الدولية في ألعاب هذا العام الاهتمام المتزايد بالروبوتات البشرية باعتبارها أحد المجالات التكنولوجية التي قد تشهد نموًا كبيرًا خلال السنوات المقبلة.

وتشارك في المنافسات فرق من 16 دولة من ست قارات، ما يمنح الحدث طابعًا دوليًا يتجاوز كونه معرضًا للتكنولوجيا الصينية.

وتشهد النسخة الثانية من الألعاب نموًا كبيرًا مقارنة بالعام الماضي، إذ ارتفع عدد الفرق المشاركة إلى 666 فريقًا، فيما تجاوز عدد الروبوتات المشاركة ألفي روبوت. ويعكس هذا النمو سرعة توسع القطاع وعدد الشركات والمؤسسات التي أصبحت تعمل على تطوير روبوتات قادرة على المشي والركض والتفاعل مع البيئة المحيطة.

ومن أبرز الشركات التي تحظى بالاهتمام شركة «هونر»، التي دخلت المنافسات بروبوت «لايتنينغ»، إضافة إلى شركات ومراكز بحثية صينية أخرى تطور نماذج مختلفة من الروبوتات البشرية.

كما تشارك مؤسسات وجامعات وفرق بحثية في المنافسات، في محاولة لاختبار الخوارزميات وأنظمة الحركة والتحكم أمام جمهور ومنافسين من أنحاء العالم.

ورغم الأرقام اللافتة التي سجلتها الروبوتات في بعض المنافسات، يؤكد التطور الذي ظهر في الألعاب أن الطريق لا يزال طويلًا قبل أن تتمكن هذه الآلات من التعامل مع العالم الحقيقي بالمرونة نفسها التي يمتلكها الإنسان.

فالروبوت يستطيع الركض بسرعة كبيرة، لكنه قد يواجه مشكلة في التوقف. وقد ينجح في تنفيذ حركة رياضية، لكنه قد يفشل في التعامل مع جسم غير متوقع أو مهمة تحتاج إلى عدة خطوات متتالية.

ولهذا تركز الألعاب الحالية على الجمع بين السرعة والقوة والذكاء والدقة والاستقلالية، بدل الاكتفاء بقياس القدرات الرياضية.

ويرى مراقبون أن القيمة الحقيقية لهذه المنافسات ستظهر عندما تستطيع الروبوتات الانتقال من المنصات الرياضية إلى المصانع والمخازن والمستشفيات والمطاعم والمنازل، وتنفيذ مهام مفيدة بصورة آمنة ومستقلة.

ومع ذلك، فإن المشاهد التي شهدتها بكين خلال الأيام الأخيرة تعطي لمحة عن حجم التغير الذي يشهده هذا القطاع. فمن روبوتات تتسابق في سباق 100 متر إلى أخرى تلعب كرة القدم أو تنفذ مهام صناعية وتتعامل مع حالات طوارئ، يبدو أن الروبوتات البشرية أصبحت تتحرك تدريجيًا من المختبرات إلى ساحات اختبار أكثر واقعية.

وبينما تتواصل منافسات ألعاب الروبوتات البشرية في بكين حتى 26 أغسطس، ستتجه الأنظار إلى نتائج بقية المنافسات لمعرفة ما إذا كانت الروبوتات ستواصل تسجيل أرقام قياسية في الرياضة، أم أن الاختبارات العملية ستكشف حدودًا جديدة لقدراتها.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كان الروبوت قادرًا على الركض أسرع من الإنسان، وإنما ما إذا كان قادرًا على التفكير والتكيف والعمل بصورة مستقلة عندما تصبح البيئة من حوله غير متوقعة.